القرطبي

329

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أو أكراها ، ثم استحقها ربها أن على الغاصب كراء ما سكن ورد ما أخذ في الكراء . واختلف قوله إذا لم يسكنها أو لم يزرع الأرض وعطلها ، فالمشهور من مذهبه أنه ليس عليه فيه شئ ، وقد روى عنه أنه عليه كراء ذلك كله . واختاره الوقار ( 1 ) ، وهو مذهب الشافعي ، لقوله عليه السلام : [ ليس لعرق ظالم حق ] وروى أبو داود عن أبي الزبير أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر ، فقضى لصاحب الأرض بأرضه ، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها ، قال : فلقد رأيتها ، وأنها لتضرب أصولها بالفؤس حتى أخرجت منها وإنها لنخل عم ( 2 ) . وهذا نص . قال ابن حبيب : والحكم فيه أن يكون صاحب الأرض مخيرا على الظالم ، إن شاء حبس ذلك في أرضه بقيمته مقلوعا ، وإن شاء نزعه من أرضه ، وأجر النزع على الغاصب . وروى الدارقطني عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ من بنى في رباع ( 3 ) قوم بإذنهم فله القيمة ومن بنى بغير إذنهم فله النقض ] قال علماؤنا : إنما تكون له القيمة ، لأنه بنى في موضع يملك منفعته . وذلك كمن بنى أو غرس بشبهة فله حق ، إن شاء رب المال أن يدفع إليه قيمته قائما ، وإن أبى قيل للذي بنى أو غرس : ادفع إليه قيمة أرضه براحا ( 4 ) ، فإن أبى كانا شريكين . قال ابن الماجشون : وتفسير اشتراكهما أن تقوم الأرض براحا ، ثم تقوم بعمارتها فما زادت قيمتها بالعمارة على قيمتها براحا كان العامل شريكا لرب الأرض فيها ، إن أحبا قسما أو حبسا . قال ابن الجهم ( 5 ) : فإذا دفع رب الأرض قيمة العمارة وأخذ أرضه كان له كراؤها فيما مضى من السنين . وقد روي عن ابن القاسم وغيره أنه إذا بنى رجل في أرض رجل بإذنه ثم وجب له إخراجه ، فإنه يعطيه قيمة بنائه مقلوعا . والأول أصح لقوله عليه السلام : ( فله القيمة ) وعليه أكثر الفقهاء . الرابعة - قوله تعالى : ( ولو أعجبك كثرة الخبيث ) قيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعجبه الخبيث . وقيل : المراد به النبي

--> ( 1 ) هو زكريا بن يحيى المصري . ( 2 ) عم : أي تامة . في طولها والتفافها ، واحدتها عميمة وأصلها عمم فسكن وأدغم . ( 3 ) رباع ( جمع ربع ) : وهو المنزل . ( 4 ) البراح : ( بالفتح ) : المتسع من الأرض لا زرع فيه ولا شجر . ( 5 ) في ك : أبو الجهم .